شبكة رسائل نواف | انترنت | جوال | منتديات



التاريخ الكاتب الزيارات التعليقات التقييم خيارات حفظ
6/9/2010 Mohamed Surati 553 0 0 طباعة شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني    إرسال لصديق شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني    تقييم شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني    للمفضلة شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني    شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني txt    html   

شرعية الحكومة السعودية على المحك / الجزء الثاني


شرعية الحكومة السعودية على المحك (الجزء الثاني)

 

قال تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين) وقال: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين).

لم يحظ شعب بالخصوصية الدينية والاحتفاء الإلهي الذي حظي به بنو إسرائيل في جميع الكتب السماوية وعلى رأسها القرآن. لقد استحوذ هذا الشعب على الغالبية الساحقة من القصص القرآني، وصاغ الله من تاريخهم ودقائق تفاصيل سيرتهم معظم آياته وخطاباته القرآنية ليجعل منهم المحور الأبدي الخالد الذي تدور حوله جميع المواعظ والدروس والعبر المقدسة إلى يوم القيامة. من أجلهم دمر الله أقوى دولة عظمى، حول نهر النيل إلى دم، وأمطر حجارة من نار على رؤوس المصريين، وسلط الجراد لينسف محاصيلهم ويدمر اقتصادهم بالكامل، وقتل أسماكهم ومواشيهم وبكور أبنائهم الذكور وابتلاهم بالأمراض والضفادع والزلازل وحجب عنهم نور السماء ليجعل نهارهم كقطع الليل المظلم كل ذلك انتصاراً منه تعالى لبني إسرائيل.

من أجل بني إسرائيل شق الله سبحانه وتعالى البحر وأغرق أقوى جيش على وجه الأرض في ذلك الزمان، من أجلهم أمر سبحانه السحاب أن يتجمع فوق رؤوسهم ويظللهم في حلهم وترحالهم، أنزل عليهم في وسط الصحراء القاحلة طعاماً من السماء طيباً مباركاً فيه؛ المن والسلوى التي لم يتذوق طعمها شعب في هذه الدنيا غيرهم، وعندما عطشوا شق لهم الصخر إلى نصفين وأنبع لهم من باطن الجبل ماءً عذباً فراتاً لا مقطوع ولا ممنوع.

من أجلهم نزل الله بذاته على جبل سيناء وكتب بيده ألواح وصاياهم ولم يبعث من بعد موسى نبياً إلا منهم عدا محمد صلى الله عليه وسلم.

اصطفاهم سبحانه بكتابه المقدس، وخصهم بحمل كلماته حتى باتوا يعرفون بأهل الكتاب وأهل الذكر، وباتت الشعوب لا تنظر إليهم إلا بكل احترام وتقدير وتقديس لما رأوا من كرامتهم ومنزلتهم وخصوصيتهم عند ربهم، فكانوا يلقبونهم بأهل الله أو شعب الله.

كانوا كلما حادوا عن الطريق يبعث الله لهم نبياً يدعوهم للتوبة والعودة والإنابة، وهو أمر لم يفعله الله مع أي شعب آخر، وكأنه سبحانه لم يكن يعنيه إيمان شعب في هذه الدنيا كما كان يعنيه إيمانهم، ولم يكن يهتم بإصلاح أحد اهتمامه بإصلاح بني إسرائيل، بل وحتى القرآن الذي نزل بلسان العرب كان الله يخاطب فيه بني إسرائيل بكثافة وإلحاح، وبأسلوب أكثر ليناً وترغيباً من أسلوب الخطاب الموجه لقريش نفسها.

قال تعالى: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل) أي ألا يكفي قريشاً كي يؤمنوا بأن هذا القرآن منزل من عند الله أن يروا علماء بني إسرائيل أنفسهم الذين هم حملة كتاب الله وأهل ذكره يصدقون على صحة ما ورد فيه من أخبار وقصص وعقيدة توحيدية؟! (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه، أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) (وإنه لفي زبر الأولين) (ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) (فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك).

وعندما حاججت قريش النبي بأن الله كان عليه أن يرسل لهم ملكاً رسولاً كي يكون في ذلك آية لهم ومعجزة كافية لإقناعهم بأن القرآن من عند الله وليس من اختراع محمد، رد عليهم سبحانه بقوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر، وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) وأهل الذكر هنا هم أهل البينات والزبر، أي علماء بني إسرائيل.

وبمعنى آخر: كان المقياس الوحيد الذي يحدد من خلاله القرشيون مدى صحة نبوءة الأنبياء من عدمها هو مدى توافق أخبار أولئك الأنبياء مع الثابت الصحيح من أخبار التوراة بتفاصيلها التي لا يعلمها إلا علماء بني إسرائيل، وأنه كان عرفاً سائداً في ذلك الزمان وحقيقة يسلم بصحتها العرب دون جدال مسألة اصطفاء الله لبني إسرائيل وتفضيلهم على العالمين بصرف النظر عن جميع أخطائهم؛ بل وبصرف النظر حتى عن كفرهم المؤقت بعقيدة التوحيد ولجوئهم الظرفي لعبادة الأصنام (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين).

أجمعت الكتب السماوية دون استثناء على أن اصطفاء الله لبني إسرائيل هو اصطفاء عرقي جيني لسلالة بيولوجية محددة بعينها (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ولكن ترى هل كشف لنا الله سبحانه وتعالى عن حكمته من وراء هذا الاصطفاء؟

بعد بداية عصر التاريخ بحوالي ألف عام ظهر شعب فريد من نوعه يختلف في ثقافته عن بقية شعوب العالم اختلافاً جذرياً، إنه الشعب العبراني (الخاي بور بالآرامية أو الخابيرو بالمصرية القديمة) الذي حدد المؤرخون زمن ظهوره الفاعل على الساحة التاريخية بأوائل الألف الثاني قبل الميلاد.

يتكون مصطلح "خاي بور" من شقين أو كلمتين: خاي بمعنى أخ أو صديق أو خوي، وبور بمعنى صحراء أو بر. فخاي بور أو خيبر أو خابر تعني ابن الصحراء أو "مخاوي البر" وهي صفة كانت تطلق على رعاة الإبل الذين كانوا يتنقلون في الصحراء العربية التي تبدأ حدودها الشمالية من الجزيرة الفراتية عند النهر الذي سمي باسمهم (نهر الخابور) وتنتهي جنوباً في وادي حنيفة، وتمتد شرقاً حتى الدهناء (دانا أو دان أو ديدان وتعني بالعبرية الأرض المنخفضة) وغرباً حتى وادي القرى عند القرية التي سميت باسمهم أيضاً (خيبر). ثم تطور هذا اللفظ إلى "عابر" وجمعها "عبريين" أو "عبرانيين".

تميز العبرانيون بنفورهم الفريد من الاستقرار والتشبث بالمكان، فبالرغم من الحضارات العظيمة التي كانت تحيط بهم من كل جانب؛ البابلية والآشورية والكنعانية والفينيقية والمصرية، إلا إنها لم تشكل لهم إغراءً حقيقياً يدفعهم للتخلي عن حياة البداوة، صحيح أنه كان منهم أسراً متحضرة هاجرت إلى بابل وآشور، وأخرى شبه متحضرة استقرت حول ضفاف الخابور ولقبوا بالآراميين، إلا إن نسبتهم كانت ضئيلة جداً بالمقارنة مع من ظل منهم متمسكاً بحياة الرعي متنقلاً بإبله بين صحاري السماوة والنفود لا يكاد ينزل مكاناً حتى يغادره إلى غيره.

عاش العبرانيون بفضل عزلتهم بعيداً عن أنظار التاريخ، وظلت ثقافتهم –عاداتهم وتقاليدهم وأخلاقياتهم وسلوكياتهم وقناعاتهم وتفاصيل حياتهم- يلفها الغموض والضبابية فلم يكتب عنهم المؤرخون ولم تذكرهم مسلات الأمم التي كانت تحيط بهم ونقوشاتهم حتى دخلت الألفية الثانية قبل الميلاد عندما أراد الله أن يعرفهم على العالم ويعرف العالم عليهم. خرج العبرانيون فجأة إلى العالم يبشرون بدين لم تسمع به الأمم ولم تألفه، يحملون عقيدة غريبة عجيبة اسمها عقيدة التوحيد تدعو لعبادة إله ليس ككل الآلهة، إله لا يمكن رؤيته أو لمسه أو التمسح به أو تصويره وتمثيله ووضعه في هيكل أو معبد للطواف حوله وحرق البخور. إله بدا للناس وكأنه غير موجود، وبدا العبرانيون وكأنهم يدعون الناس لعبادة اللاشيء، فالله هو الإله الوحيد الذي لا يمكن تصوره كشيء مادي، والناس لا يؤمنون إلا بالمادة.

وبالرغم من الغموض الذي صاحب الظهور التاريخي للحركة العبرانية إلا إن المؤرخين أجمعوا على حقيقتين ثابتتين: أولاهما أن الشعب العبراني كان في ذلك الوقت أكثر الشعوب بداوة على الإطلاق، والثانية هي أن التاريخ الإنساني المكتوب لم يتعرف على ملة التوحيد إلا من خلال العبرانيين، أي منذ بزوغ عصر الكتابة برز العبرانيون كأول شعب على وجه الأرض اعتنق هذه العقيدة وبشر بها وتكفل بحملها وسدانتها إلى الأبد. وهنا بدا جلياً مدى الارتباط بين عقيدة التوحيد الخالص وبين البداوة الصرفة؛ بداوة رعاة الإبل. فالانتخاب الإلهي للعبرانيين لم يكن عشوائياً بل مبنياً على أسس ثقافية، وبمعنى آخر: انتخب الله ثقافة الصحراء كي تمثل إرادته وعدالته وعقيدته في الأرض، كي تهيمن على بقية الثقافات وتحكم الحياة الفكرية في هذا الكوكب، كي تكون خليفة الله على بقية البشر.

قال تعالى: (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين) منذ البدايات الأولى لتواجد الجنس البشري على ظهر الكوكب؛ وتحديداً في الجيل الأول الذي تناسل من آدم وحواء قسم الله تعالى البشر إلى قسمين منفصلين متضادين ومتنافرين: قسم الرعاة وقسم المدنيين، ثم اختار سبحانه القسم الأول ليقود الثاني. اختار الله ثقافة الصحراء لتكون خاصته فقربها إليه واصطفاها وباركها وتقبل قربانها ولم يتقبل من الآخر. وقد وردت هذه القصة أكثر تفصيلاً في التوراة في سفر التكوين 4-1 "وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين......ثم عادت وولدت أخاه هابيل. وكان هابيل راعياً (يمثل ثقافة الصحراء) وكان قايين مزارعاً (يمثل ثقافة الاستقرار الجغرافي والتحضر) فقدم قايين من أثمار الأرض قرباناً للرب. وقدم هابيل قربانه من أبكار غنمه وسمانها. فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر".

وعلى العكس من الكائن الحضاري؛ لا نجد ذلك النوع من القلق الوجودي مسيطراً على إنسان الصحراء، وهو ما يتضح من خلال جميع سلوكيات هذا الإنسان الفريد ومفرداته الثقافية: المروءة، النخوة، الشهامة، الوفاء، الأمانة، الشجاعة، التراحم والتعاطف، التواسي والتكافل، الاحترام والتقدير، العزة والإباء والترفع والتعفف، الصدق والإخلاص والوضوح والشفافية، وغيرها من المفردات التي تظهر نوعاً من التعالي على الوجود المادي؛ والشعور بالمسؤولية تجاه هذا الوجود في ذات الوقت، إنها تحمل رسالة وجودية فريدة من نوعها، تتداخل فيها المتضادات وتتمازج المتناقضات بطريقة لا تقبل الخضوع للتنظير المنطقي.

وكما خلق الله سبحانه وتعالى العبيد من أجل البناء (masonry) خلق شعباً آخر لا علاقة له بالبناء والحضارة، مهمته الوحيدة حمل رسالة التوحيد، الرسالة التي لا يستطيع حملها سوى شخص تجرد من جميع أشكال العبودية للمادة، وبقي كذلك إلى الأبد.

قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمّهن، قال إني جاعلك للناس إماماً، قال ومن ذريّتي، قال لا ينال عهدي الظالمين) لم يحدث أن عقد الله سبحانه وتعالى مع أحد من خلقه سوى إبراهيم عهداً صريحاً واضح اللهجة قطعي الدلالة كهذا، مرسومٌ إلهيٌ أبديٌ بتعيين إبراهيم رئيساً أعلى لمجلس إدارة البشرية إلى يوم القيامة. إني جاعلك للناس أي لكافة الناس؛ لجميع البشر الذين يسكنون الأرض بصرف النظر عن عرقياتهم وألوان بشرتهم ولغاتهم وثقافاتهم وقومياتهم وحضاراتهم ومناطق تواجدهم الجغرافي.

لقد قدم لنا القرآن إبراهيم كنموذج أعلى للثقافة العبرانية الخالصة، لذلك أبرز الله سبحانه وتعالى أهم عناصر هذه الثقافة في شخصيته، وهي الشجاعة الوجودية المطلقة التي لا يمكن توفرها في أي شعب آخر سوى رعاة إبل السماوة والنفود، ثم بين الله أنه قد اختار إبراهيم ليكون حبيبه وخليله دون العالمين في إشارة منه سبحانه إلى اختياره لهذا الرمز الثقافي، رمز البداوة الخالصة، ليكون ممثلاً له في الأرض ومعبراً عن ملته ومجسداً لإرادته وعدالته وشاهداً وإماماً ومهيمناً على كافة الثقافات الأخرى.

دفع إبراهيم ثمن صدقه غالياً، فقد حفروا له حفرة كبيرة ملؤوها بكل ما استطاعوا جمعه من نيران، ثم حملوه إليها ولسان حالهم يخاطبه قائلاً:

ما الذي جنيته من وراء بحثك عن الحقيقة؟ ماذا استفدت من كل هذه القصة؟ ألم تكن فينا معززاً مكرماً قبل هذا؟ رزقك مكفول ومقامك محفوظ!

ألم يكن حريٌّ بك أن تضع رأسك مع الرؤوس وتترك عنك الشطط والشذوذ؟ أما كان من الأجدر أن تلتزم مسار قومك إن آمنوا آمنت وإن كفروا كفرت، إن عبدوا صنماً عبدته معهم وإن أكلوه لم تفتك وليمتهم؟

من أنت حتى تقف وحدك في مواجهة مدينة بأسرها؟ من أنت حتى تعارض وحدك كل هذه الحشود من الرأي العام؟ هل سمعت يوماً عن شجاعة غلبت كثرة؟

أنظر إلى أين قذفت بك حكمتك؟ وإلى أي هاوية يحملك إيمانك وإخلاصك وصدقك المزعوم! أما كان من الأجدر أن تكذب عندما يكون الكذب فضيلة، وتنافق عندما يكون النفاق وجاهة، وتعربد عندما تكون العربدة أسمى درجات الطهر والشرف، وتصلي لجميع أصنام المدينة طالما كانت هي الصلاة الوحيدة التي تقام في جماعة؟

إن هذه الدرجة من الصدق مع النفس لا يمكن للمدنيين فهمها، لذلك ظل العبرانيون غرباء عن العالم طيلة تاريخهم وحتى يومنا هذا. ومن هنا تتضح لنا الحكمة الإلهية في تخصيص هذا الشعب لقيادة العالم فكرياً وعقائدياً وثقافياً، أما العبيد فقد تخصصوا فقط في البناء (masonry).

قال تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمّهن، قال إني جاعلك للناس إماماً، قال ومن ذريّتي، قال لا ينال عهدي الظالمين)

نحن لا نفهم من القرآن سوى أن الله أراد أن يجعل من أبناء إبراهيم مجتمعاً ثقافياً نموذجياً تقتدي به جميع أمم الأرض، مجتمعاً معيارياً مثالياً تضبط بقية الشعوب ثقافاتها وسلوكياتها وقناعاتها على منواله، لذلك مركزهم الله سبحانه وتعالى في تلك البقعة الجغرافية التي تلتقي فيها جميع فصائل الكائن البشري، وتهوي إليها أفئدة ولد آدم على مدار العصور والأزمان دون توقف.

ما نفهمه من القرآن هو أن الله أراد أن يقيم في هذه البقعة المركزية من العالم مؤسسة فكرية عالمية تعمل بطريقة آلية على إمامة البشرية، على قيادة الإنسانية وتوجيهها وضبطها وتقويمها فكرياً وسلوكياً، على إدارة الحياة الثقافية في هذا الكوكب إلى الأبد. لم يجعلها الله سبحانه وتعالى مؤسسة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية صرفة، ولكنه صممها لتكون مؤسسة ثقافية بالدرجة الأولى، نموذجاً سلوكياً عملياً تتجسد فيه معايير الإنسانية تجسداً تطبيقياً واقعياً.

اصطفى الله تعالى العبرانيين من بين البشر، وأبناء إبراهيم من بين العبرانيين، وأقامهم للناس في هذه البقعة بالتحديد ليوجه من خلالهم رسالته الثقافية إلى البشرية، ليقدّم من خلال سلوكياتهم النموذج السلوكي المثالي الذي ينبغي على بقية الخلق محاكاته، ليقدّم من خلال أخلاقياتهم وقيمهم ومبادئهم وعقيدتهم وقناعاتهم الفكرية ذلك القالب الأخلاقي المعياري الذي يجب على بقية أمم الأرض وشعوبها أن تضبط أخلاقياتها على أساسه، لذلك كان العهد بين الله وبين أبناء إبراهيم في القرآن عهداً مشروطاً، وشرطه الوحيد هو الالتزام بملة أبيهم إبراهيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، الالتزام بسلوكه وأخلاقياته، الالتزام بعقيدته، بمبادئه، بقناعاته، الالتزام بصدقه مع نفسه ومع ربه، بشجاعته في الحق وتمسكه به واستماتته في الدفاع عنه، الالتزام باستقامته، بصراحته، بأمانته، بكرمه وعفة نفسه، بنخوته وشهامته، ومتى ما تراخى أحد أبناء إبراهيم في هذا الالتزام أو أخل بهذا الشرط فإن الله سيستثنيه مباشرة من العهد (قال ومن ذريّتي، قال لا ينال عهدي الظالمين).

قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) فأنتم يا أبناء إبراهيم قد اجتباكم الله أي اصطفاكم أي اختاركم دون بقية الأمم والشعوب لتكونوا شعبه المصطفى أي المختار الذي يمثل بأخلاقياته، بسلوكياته، بعقيدته، وبإنسانيته النموذج الثقافي المعياري للمجتمع الإنساني الكامل، والتجسد العملي التطبيقي لشريعة الله ونظامه الاجتماعي المقدس، والمؤشر القياسي العالمي لمقدار استقامة الشعوب أو انحرافها عن قانون الله، والممثل الحسي الوحيد لإرادة الله في إدارة الكوكب. لذلك زرعكم الله في منتصف هذا الكوكب لتكونوا شاهداً عالمياً منتصباً في مركز الكون، مركزاً دولياً للمراقبة والتوجيه والتقييم والإدارة الثقافية، مشهداً كونياً أبدياً تقتدي وتأتم به جميع فصائل الكائن البشري. ولكي تكونوا أهلاً لهذه المسؤولية عليكم أن تلتزموا ملة أبيكم إبراهيم إلى الأبد: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربّه أسلم قال أسلمت لربّ العالمين. ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) (وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً).

يعيش اليوم في العالم قرابة الملياري وربع المليار مسيحي ويهودي، أي ما يربو على ثلث سكان الأرض تأسست عقائدهم على قضية الشعب المختار، اصطفاء الله لأبناء إبراهيم كي يكونوا خاصته وأبناءه وأحباءه ومختاريه الأطهار دون بقية البشر، وهي قضية تستند إلى صريح نصوص التوراة والإنجيل ولا يوجد عليها خلاف بين أي من فصائل اليهود والنصارى ومذاهبهم مع اختلافها. إلا أن جميع هؤلاء –دون استثناء- يتناولون هذه القضية بمفهومها الكهنوتي المحض، وينكرون –أو يتنكرون- لبعدها الثقافي الذي مازالت تعبر عنه تلك النصوص بكل وضوح.

يعتقد أبرز الباحثين التوراتيين أمثال ألت ورايت وألبرايت وجوتولد ومندنهال أن الثورة الثقافية العظمى التي صاحبت الظهور التاريخي للعبرانيين تتمثل أولاً في العقيدة التوحيدية الخالصة والمختلفة تماماً عن عقائد الشعوب المحيطة بهم، وثانياً في طغيان الثقافة البدوية على ثقافة المدينة بعد تمكن العبرانيين من الهيمنة السياسية على المدن والقرى الكنعانية المتحضرة، وبناءً عليه يرى ألت أن أنجع وسائل النقد التاريخي للنص التوراتي تتمثل في الدراسة البنيوية لهذا النص بغرض التفريق بين ما يعبر عن ثقافة الصحراء وعقيدة التوحيد الخالص؛ وبين تلك العناصر الثقافية المدنية –وخصوصاً الكنعانية منها- التي تسربت إلى المجتمع العبراني مع الزمن بفعل طول إقامة الإسرائيليين بين ظهراني الكنعانيين واختلاطهم بهم عرقياً وثقافياً، وأبرز هذه العناصر عبادة البعل وقوانين الزراعة والحضارة والتمدن.

وإذا ما أردنا الاستناد إلى نظرية ألت في نقدنا الديني للنص التوراتي يصبح بإمكاننا التفريق بسهولة بين النصوص الأصيلة التي لا تزال تحتفظ بقداستها ومصداقية نسبتها إلى الله، وبين تلك التي تعرضت للتحريف والتزوير أو تم إقحامها عنوة داخل الكتاب المقدس كي تخدم الأغراض السياسية لكتبتها، فالأولى هي تلك التي تبشر بعقيدة التوحيد الخالص من جهة وبثقافة الصحراء من جهة أخرى، أما الثانية فهي التي تروج –بطريقة أو بأخرى- لثقافة كنعان وعقائدهم الوثنية. في هذا السياق لا يسعنا سوى تصنيف ما ورد في سفر التكوين حول حكاية أبناء إسحاق ضمن الفئة الثانية:

"وكان اسحق ابن أربعين سنة لما اتخذ لنفسه زوجة رفقة بنت بتوئيل الآرامي.......فحبلت رفقة امرأته. وتزاحم الولدان في بطنها........فخرج الأول أحمر كله كفروة شعر. فدعوا اسمه عيسو. وبعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب. وكان اسحق ابن ستين سنة لما ولدتهما. فكبر الغلامان وكان عيسو إنسانا يعرف الصيد، إنسان البرية، ويعقوب إنسانا كاملا يسكن الخيام! فأحب اسحق عيسو لان في فمه صيدا. وأما رفقة فكانت تحب يعقوب. وطبخ يعقوب طبيخا فأتى عيسو من الحقل وهو قد أعيا. فقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت. لذلك دعي اسمه إدوم. فقال يعقوب بعني اليوم بكوريتك. فقال عيسو ها أنا ماض إلى الموت. فلماذا لي بكورية. فقال يعقوب احلف لي اليوم. فحلف له. فباع بكوريته ليعقوب. فأعطى يعقوب عيسو خبزا وطبيخ عدس. فأكل وشرب وقام ومضى........وحدث لما شاخ اسحق وكلّت عيناه عن النظر انه دعا عيسو ابنه الأكبر وقال له يا إبني: فقال له: هاأنذا. فقال: إنني قد شخت ولست أعرف يوم وفاتي. فالآن خذ عدتك وجعبتك وقوسك واخرج إلى البرية وتصيّد لي صيدا. واصنع لي أطعمة كما أحب وأتني بها لآكل حتى تباركك نفسي قبل أن أموت. وكانت رفقة سامعة إذ تكلم اسحق مع عيسو ابنه. فذهب عيسو إلى البرية كي يصطاد صيدا ليأتي به. وأما رفقة فكلمت يعقوب ابنها قائلة: إني قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلا. ائتني بصيد واصنع لي أطعمة لآكل وأباركك أمام الرب قبل وفاتي. فالآن يا إبني اسمع لقولي في ما أنا آمرك به. اذهب إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين جيّدين من المعزى. فأصنعهما أطعمة لأبيك كما يحب. فتحضرها إلى أبيك ليأكل حتى يباركك قبل وفاته. فقال يعقوب لرفقة أمه هوذا عيسو أخي رجل اشعر وأنا رجل أملس. ربما يجسّني أبي فأكون في عينيه كمتهاون واجلب على نفسي لعنة لا بركة. فقالت له أمه لعنتك عليّ يا إبني. اسمع لقولي فقط واذهب خذ لي. فذهب واخذ واحضر لأمه. فصنعت أمه أطعمة كما كان أبوه يحب. وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي كانت عندها في البيت وألبست يعقوب ابنها الأصغر. وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعزى. وأعطت الأطعمة والخبز التي صنعت في يد يعقوب ابنها. فدخل إلى أبيه وقال يا أبي. فقال هاأنذا. من أنت يا إبني. فقال يعقوب لأبيه أنا عيسو بكرك. قد فعلت كما كلمتني. قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك. فقال إسحق لابنه ما هذا الذي أسرعت لتجد يا إبني. فقال إن الرب إلهك قد يسّر لي. فقال اسحق ليعقوب تقدم لأجسك يا إبني. أأنت هو ابني عيسو أم لا. فتقدم يعقوب إلى اسحق أبيه. فجسّه وقال: الصوت صوت يعقوب ولكن اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه لان يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه. فباركه. وقال هل أنت هو ابني عيسو. فقال أنا هو. فقال قدم لي لآكل من صيد إبني حتى تباركك نفسي. فقدّم له فأكل. واحضر له خمرا فشرب. فقال له اسحق أبوه تقدم وقبّلني يا إبني. فتقدم وقبّله. فشم رائحة ثيابه وباركه. وقال انظر. رائحة إبني كرائحة حقل قد باركه الرب. فليعطك الله من ندى السماء. ومن دسم الأرض. وكثرة حنطة وخمر. ليستعبد لك شعوب. وتسجد لك قبائل. كن سيدا لإخوتك. وليسجد لك بنو أمك. ليكن لاعنوك ملعونين. ومباركوك مباركين. وحدث عندما فرغ إسحق من بركة يعقوب ويعقوب قد خرج من لدن اسحق أبيه أن عيسو أخاه أتى من صيده. فصنع هو أيضا أطعمة ودخل بها إلى أبيه وقال لأبيه ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه حتى تباركني نفسك. فقال له اسحق أبوه من أنت. فقال أنا ابنك بكرك عيسو. فارتعد اسحق ارتعادا عظيما جدا. وقال فمن هو الذي اصطاد صيدا وأتى به إلي فأكلت من الكل قبل إن تجيء وباركته. نعم ويكون مباركا. فعندما سمع عيسو كلام أبيه صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا. وقال لأبيه باركني أنا أيضا يا أبي. فقال قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك. فقال إلا إن اسمه دعي يعقوب. فقد تعقبني الآن مرتين. اخذ بكوريتي وهوذا الآن قد اخذ بركتي. ثم قال أما أبقيت لي بركة. فأجاب إسحق وقال لعيسو إني قد جعلته سيدا لك ودفعت إليه جميع إخوته عبيدا وعضدته بحنطة وخمر. فماذا أصنع إليك يا إبني. فقال عيسو لأبيه ألك بركة واحدة فقط يا أبي. باركني أنا أيضا يا أبي. ورفع عيسو صوته وبكى. فأجاب إسحق أبوه وقال له هوذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك. وبلا ندى السماء من فوق. وبسيفك تعيش. ولأخيك تستعبد. ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك. فحقد عيسو على يعقوب من أجل البركة التي باركه بها أبوه. وقال عيسو في قلبه قربت أيام مناحة أبي. فاقتل يعقوب أخي. فأخبرت رفقة بكلام عيسو ابنها الأكبر. فأرسلت ودعت يعقوب ابنها الأصغر وقالت له هوذا عيسو أخوك متسلّ من جهتك بأنه يقتلك. فالآن يا إبني اسمع لقولي وقم أهرب إلى أخي لأبان إلى حاران. وأقم عنده أياما قليلة حتى يرتد سخط أخيك. حتى يرتد غضب أخيك عنك وينسى ما صنعت به. ثم أرسل فآخذك من هناك"

الكهنوتية –باختصار- هي الاعتقاد بامتلاك فئة من البشر لقدرات سحرية خاصة تمكنهم من الإتيان بالمعجزات وخوارق العادات، أو ما يسمى اصطلاحاً بـ "البركة". وهذه البركة –في المفهوم الوثني- يمكن تشبيهها بكمية معلومة من الطاقة الكهربائية الكامنة والمخزنة داخل وعاء شبه موصل، بحيث يمكن انتقالها عن طريق اللمس (التبرك والتمسح) أو الهبة والمنح (المباركة) أو حتى الوراثة. وقبل ظهور العبرانيين لم يكن العالم يعرف ديناً سوى الكهنوتية بكافة مذاهبها وأشكالها، لأنها –كما ذكرت سابقاً- العقيدة الوحيدة التي باستطاعة الشعوب المتحضرة فهمها والانجذاب إليها، فهي تقدم لهم إلهاً مادياً محسوساً ملموساً مرئياً يقيم في وسطهم ويمكنهم اللجوء إليه عند الطوارئ وكلما دعت الحاجة لتدخل إلهي سحري سريع.

فالكهنوتية –إذاً- جزءٌ أصيل في ثقافة المدينة، ولا يمكن للعبد الذي سيطرت عبادة المادة على كيانه فنشأ وتربى على التذلل والخضوع والسجود لمصادر الإشباع المادي والإمتاع الحسي أن يتخيل نوعاً من العلاقة المباشرة بينه وبين الله دون وسائط أو شفعاء أو وسائل مادية ملموسة. وذلك على العكس من ثقافة الصحراء التي ربّت أبناءها على الحرية المطلقة والتحرر الكامل من كافة أشكال العبودية والسجود للمادي المحسوس، وغرست في نفوسهم منذ الصغر مشاعر التعالي والسيادة على هذه المادة وليس الخضوع لها. هنا لا يمكن أن نعثر على كهنوتية في الصحراء، كما لا يمكن أن نعثر في كتاب نزل من عند الله على آية ترسخ عقيدة كهنوتية وتروج لفكرة البركة والتبرك إلا إذا كانت هذه الآية قد أقحمت في كتاب الله إقحاماً ونسبت إليه زوراً وبهتاناً.

لا توجد جريمة كاملة؛ فالذي كتب قصة يعقوب هذه وحاول تطويع بقية نصوص التوراة لتصب في بوتقتها فاتته الكثير من النصوص التي أفلتها الله من بين يديه والتي تتعارض مع هذه القصة تماماً وتنقض مغزاها وتفضح زيفها وتهافتها. إن النصوص التوراتية التي تتحدث عن التوحيد الخالص والمنزه من جميع الشوائب الكهنوتية دائماً ما تربط هذا النوع من التوحيد بالبداوة الخالصة وتجعل من ثقافة الصحراء شرطاً لتحقيقه. لقد كان أنبياء التوراة غالباً ما يربطون المدنية بالشرك والكفر ويدعون قومهم لنبذ ثقافة المدينة كشرط للتوبة والخلاص والتطهر والعودة لعقيدة التوحيد الخالص كما خط خطوطها الآباء الأوائل (patriarchs) المؤسسين لهذه الملة، وكان على رأس أولئك الآباء خير البرية وسيد العالمين وإمام الخلق أجمعين حبيب الله وخليله إبراهيم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم الذي ورد عنه في التوراة أنه كان من شدة تمسكه بثقافة الصحراء أنه حرم على أبنائه الزواج بغير العبرانيات وأوصى بذلك خادمه عند وفاته وأخذ عليه عهداً شديداً مغلظاً بتنفيذ هذه الوصية:

"وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام. وبارك الرب إبراهيم في كل شيء. وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولي على كل ما كان له: ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن بينهم. بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لابني إسحق" (تكوين: 24-1)

كان خليل الله عليه الصلاة والسلام يسكن وسط الكنعانيين، يجاورهم في أرضهم ويتعايش معهم، يقاتل معهم ويدافع عنهم، يواليهم ويعاهدهم وتربطه صداقة حميمة مع مليكهم (أبي مالك) ولكنه كان يستميت في الحيلولة دون ثقافتهم أن تخترق أسرته أو تتسرب إلى أجياله من بعده، وأبرز وسائل هذا الاختراق التزاوج والاختلاط العرقي، لذلك وجدناه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ينتزع من خادمه قسماً مغلظاً بهذه الطريقة من التشديد والتأكيد أن لا يحدث هذا الاختراق بعد مماته.

كان عليه السلام يدرك أن الرسالة التي سيحملها أبناؤه من بعده ترتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة الصحراء، ارتباطٌ لا يمكن فضه بحال. كان يدرك أن اصطفاء الله له كان اصطفاءً ثقافياً لا كهنوتياً، وأن قداسة هذه الذرية تنبع من قداسة ثقافتها قبل حيواناتها المنوية، وأنه لو حدث وخرجت هذه الثقافة من صحرائها فإنها لن تلبث أن تفسد وتتعفن وتتدنس أرومتها داخل بيارات المدينة، وأن الله لم يرسله إلى أرض الكنعانيين ليصبح مثلهم بل ليعلمهم كيف يقلدوه ويحاولوا أن يكونوا مثله.

جاء في سفر يوشع 3-5 "فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحثّيين والأموريين والفرزّيين والحوّيين واليبوسيين. واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم. فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب إلههم وعبدوا البعليم والسواري فحمي غضب الرب على إسرائيل" هنا تظهر الحكمة من تحريم الاختلاط العرقي بالشعوب المتمدنة: وهي أن هذا الاختلاط لا بد ويصحبه تحلل ثقافي وانحراف عقائدي، فالقضية ليست عنصرية كهنوتية كما تحاول قصة يعقوب وعيسو إظهارها، بل عنصرية ثقافية عقائدية تهدف للإبقاء على عقيدة التوحيد العبراني خالصة صافية نقية من خلال صيانة ثقافة الفطرة من خطر الاختلاط والتحلل.

إن الاختلاط العرقي هو الخطوة الأولى في طريق التحضر والتمدن، فالكنعانية لن تربي أبناءها على احتقار ثقافة قومها، بل ستربيهم ليكونوا أحصنة طروادة المزروعة داخل خيام رعاة الإبل، والتي لن تؤتى عقيدة التوحيد إلا من قبلها. إن ثقافة المدينة هي ثقافة الكفر والنفاق والفجور والانحراف، هذه هي القاعدة التي أكد عليها جميع الأنبياء في تعاليمهم، والتي مازالت التوراة تحتفظ بها حتى اليوم.

ولكن عندما يخرج إلينا كاتب التوراة بقصة تقدس ثقافة المدينة؛ ثقافة الغدر والكذب والنفاق والخيانة، وتحتقر ثقافة الصحراء باعتبارها ثقافة البراءة التي تصل لحد البلاهة، والطيبة التي تصل لحد السذاجة، فجعل كاتب هذه القصة من رمز المدنية (يعقوب) إنساناً كاملاً يستحق أن يرث عهد الله بسدانة هذه الملة دون أخيه عيسو رمز الصحراء والبداوة؛ فإننا لا نملك سوى أن نضع العديد من علامات الاستفهام حول نسبة هذه القصة إلى الله.

إن قصة انتزاع يعقوب للبركة من أبيه باستخدام تقنية الفهلوة والشطارة قد ساهمت في تجريد مفهوم "الشعب المختار" من بعده الثقافي وتحويله لمفهوم كهنوتي وثني خالص، وبذلك تم استبعاد أبناء الصحراء تماماً من الساحة الدينية لحصرها فقط على أبناء يعقوب (بني إسرائيل) فهم القبيلة الإبراهيمية الوحيدة التي فقدت عبرانيتها تماماً بعد أن تحضر أفرادها عن بكرة أبيهم وانقطعت جميع صلاتهم بالصحراء وثقافتها، في الوقت الذي ظل بقية أبناء إبراهيم –أبناء إسماعيل وأبناء عيسو (العيص)- متمسكين بعبرانيتهم ومتشبثين بصحرائهم حتى اليوم.

كتب بولس في رسالته لأهل غلاطية: "كما آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. اعلموا إذا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم......ليس أحد يبطّل عهداً قد تمكن......وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله......الله وهبها لإبراهيم بموعد......إلى أن يأتي النسل الذي قد وعد له......لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع. لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح. ليس يهودي ولا يوناني. ليس عبد ولا حر. ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع. فإن كنتم للمسيح فأنتم إذا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة".

هكذا تحول ثلث سكان المعمورة إلى المسيحية بعد أن تمكن الحاخام الكنعاني بولس من إقناعهم بأنهم سيصبحون أبناءً لإبراهيم بمجرد إيمانهم بألوهية المسيح، عندها ستحل فيهم روح المسيح –أو حسب تعبيره "يتلبسون المسيح ويتلبسهم"- فيصبحون آلهة كالمسيح؛ آلهة كهنوتية وسيطة بين السماء والأرض. هكذا كان الكنعانيون ينظرون لأبناء إبراهيم على أنهم آلهة بشرية، وهكذا يفهم المدنيون معنى الاصطفاء بأنه اصطفاء كهنوتي خالص ومجرد من أي معنى ثقافي، اصطفاء يتمحور فقط حول مفهوم البركة، وهو المفهوم الذي كانت ولازالت تتمحور حوله جميع الأديان والمذاهب الكهنوتية التي نشأت في المدن والمراكز التجارية الواقعة على طرق التجارة الدولية منذ أكثر من ستة آلاف عام، والتي لا تزال باقية حتى اليوم مع بعض التحوير في مصطلحاتها وطقوسها الشكلية.

إذاً ما هو المغزى الإلهي الحقيقي لمفهوم الشعب المختار؟ من هم حملة العهد الفعليون من أبناء إبراهيم والمشار إليهم في قوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج، ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا، ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس)؟ وكيف يمكن إيصال هذه الرسالة بمنتهى الوضوح والجلاء لأكثر من ثلث سكان الكوكب من اليهود والنصارى؟ هذا ما سأتناوله بالتفصيل في الجزء التالي بحول الله.

 

الكاتب

محمد سرتي


التعليقات

اسمك
تعليقك
كود التحقق